May 5, 2012

كمين إعلامي


كمين إعلامي

الحرب الإعلامية هي حرب  أشد ضراوة من  قتال النار و الدمار ... هي حرب علي الآذان و الأبصار و العقول  و هي أمرّ من السحر  تستخدم نفس  أساليبها  و وسائلها  من القصف الثقيل إلي  زرع الألغام  إلي نصب الكمائن ....  و الإعلام المصري منذ نشأته في بداية  ثورة  52  كان هو الجبهة الأمامية سواء في  الهجوم  أو الدفاع عن نظلم عبد الناصر و لعل العواجيز من أهل مصر يذكرون صوت العرب  و مذيعه الشهير أحمد سعيد و ممارسات فشره اثناء هزيمة 67  ...عبد الناصر الذي انحاز فكريا للاشتراكية المتخاصمة مع  الإسلام السياسي  وجد في  الشيوعيين سندا جاهزا فسلمهم  أبواق الإعلام من صحافة و إذاعة و تلفزيون  كتّابا و رسامين و قصصاين و سينارست للمسلسلات  و أدباء و فنانين و كان من الطبيعي أن يجري إقصاء أي توجه إسلامي عن هذا المجال و لعل هذا كان فيه بعض الخير إذ دفعهم  للتواصل وجها لوجه مع أفراد الشعب تعويضا  عما فقدوه  إلا أن إقصاءهم عن مجال الإعلام ترك فراغا كان معوقا و لا شك في نشر الدعوة الإسلامية و رغم ذلك  كان محدود الأثر و خاصة في فترة ما قبل قبل الثورة نظرا لعجز إعلام  الشريف و الفقي عن تغطية عورات نظام مبارك و فساده ...إلا أنه بعد الثورة  ودخول عمليات غسيل الأموال  و وجود أطقم إعلامية احترفت التدليس و النميمة و الوقيعة و لديها الاستعداد لبيع آخرتها بحفنة من الملايين  أحدثت تحولا     هائلا و  تغولا للعلمانية كي تسيطر    و توجه سمومها ....لمن ؟؟؟ ...للعدو ؟؟؟ .. فمن هو العدو ؟؟؟؟
ـــ المفسدون ؟؟؟ ...أبدا
ـــ المرتشون  ؟؟؟...عيب
ـــ الذين أفسدوها و نهبوها و خربوها و قعدوا علي تلها ؟؟؟؟ .... لا ...هؤلاء حبايبنا
ـــ النخبة المدلسة التي كرست الغيبوبة و تنويم الشعب و أخفت الحقائق  و زيفت الحقائق ... يا عم هؤلاء هم رأس حربتنا و طليعتنا  فهل يقتل القائد فرساننه ؟؟؟؟
العدو ... هو العدو الدائم ...الحرب بيننا و بينهم حرب وجود لا حرب حدود ...حرب إبادة تبدأ بالعزل و الإقصاء
و لنبدأ ببيان بعض طرق إعلان التعبئة الإعلامية الشاملة
ألكمين الإعلامي  
ـــ يُستدرج الضيف ( الزبون ) إلي برنامج حواري ( من التوك شو )  ... الكمين  عبارة عن مذيعة متبرجة  و متمكيجة  بكل ألوان الطيف تخفي تحت جلدها حية رقطاء ... تستخدم زوايا العيون  و الاشارات  مع استحضار  ما أوتيت  من تدريب ابليسشي  و خبرات شيطانية .. تضع السماعة في أذنها تتلقي التلقين  و التوجيه من الكنترول ....قولي ... غلْوِشي ... اقطعي عليه الحديث ... شتتي فكره ... انقلي بسرعة علي الكماشة المكونة من ثلاثة  من عتاة المدلسين   الأفاكين متسولي الفضائيات ممن اتخذوا من القدح في الإسلام السياسي سبوبة واسترزاقا ... الزبون يجد نفسه محاصرا يتناوبه الأربعة تشقيطا و هجوما و استجوابا مما يضعه دائما في دائرة الاتهام يضيع صوته و تخفت حجته وسط هذه العاصفة من التضليل ...هذا الكمين لا ينجو منه إلا ذوي البأس و ممن اعتاد عليه و هم للأسف قلة من الإسلاميين
ـــ  استدعاء المداخلات السابق ترتيبها  و توضيبها ... حينها و بإشارة من المتبرجة ( أو المتبرج  لا فرق ) تنهال المكالمات  من سيد من الوايلي   و عربي من الصعيد و سلامه  من المحلة و طارق  من شبرا ... تنوع جغرافي.... و الله العليم أنهم  كلهم يتصلون  من الاستوديو المجاور    و الهجوم مبرمج و الأدوار موزعة ... كل واحد عليه بند يهاجم في حتة..و لزيادة سبك الكذبة يدخل واحد يدافع في حنيّة أقرب منها إلي الإدانة ....
ـــ  تكرار الكذبة  و جعل السؤال حولها محورا دائما للحديث ... اتهام مستمر ... وكلما زاد الدفاع ضدها حرارة ... كلما زاد الـإصرار   علي الاكاذيب ضراوة
ـــ الإخوان عاوزين دولة دينية و يريدون تطبيق الشريعة .. شريعة البشير و اللاّ ملالي إيران واللاّ شريعة بن لادن
ــ الإخوان سرقوا الثورة ... الإخوان تركوا الميدان ... الإخوان عقدوا صفقة مع العسكر ... الإخوان كوشوا علي كل شيئ ... ياناس يا ضلالية .. لا سرقنا ولا نهبنا و لا استغلينا النفوذ و لا أمسكنا بسلطة  ... لا وزير و لا محافظ و لا رئيس مدينة  و لا  حتي غفير في كفر  
....حتي مجلس حقوق الإنسان  و مجلس النسوان استبعدونا منهما... و أخيرا وليس آخرا نحن انتخبناهم فماذا فعلوا ؟؟؟... حملونا خطايا  غيرنا  و لبسونا أزمات افتعلوها  صدروها  لنا  ... و عندما قلنا أن هذا اتهام ظالم لأن البرلما ن مقيد  و منزوع الصلاحية التنفيذية .. و حتي دوره في المراقبة و السؤال  تجاهلوه في عتو ... و الوزارة الفاشلة هي المسؤلة ... دعونا نشكل الحكومة ثم حاسبونا عندها يقولون اصبروا لأن الباقي من عمر الحكومة قليل ... نقول  لماذا تكيلوا بالمكيالين  نصبر علي حكومة تحرق البلد و تسارعون باتهامنا بأننا لم نفعل شيئا في حين  أن العدل هو الصبر علينا أيضا  حتي يرحل جار السوء  و ُيسند إلينا تشكل الحكومة  طبقا لاستحقاق الأعراف الرلمانية .... العجيب  أن الأبواق تردد  نفس الكلام و يعزف نفس الحن النشاز
ـــ الإعلام لعب دورا مشبوها في حرق رمزية ميدان التحري باعتباره رمزا لتوحُّد كل أطياف الشعب و باعتباره رمزا للصدق  و انكار الذات ... لعب الإعلام في أدمغة شباب الثورة  و ملأ بعضهم غرورا  فتنادوا بالنزول إلي الميدان عمال علي بطال حتي ترسخ لدي العامة احساس بأن ( المليونيات )لا تسعي إلا إلي وقف الحال ليصبح  الميدان في النهاية  مرتعا للمنحرفين و الباعة الجائلين تتناثر في أنحائه خيام قبيحة المنظر مهلهلة متنافرة الهيئة و الألوان
 ومن أجمل ما قرأت في هذا الموضوع المكقال التالي

الذباب الإعلامي
 بقلم أحمد زهران
تعجب لوسائل الإعلام في مصر سواء كانت سمعية بصرية  أو مقروءة  فهي لا تكف عن تشويه كل ما هو  إسلامي خاصة ما يرتبط منه بالمشهد السياسي الحاضر  و يكفيك أن تقرأ الصفحات الأولي من الصحف و المجلات و المواقع المصرية  أو من خلال محتوي الافتتاحيات و المقالات  و المتابعات سواء أكانت صحفية أو أكاديمية لتقف  علي حجم التشويه اللامحدود الذي يتعرض له الإسلام  و الإسلاميون  و مشروعهم الحضاري علي وجه التحديد
و لو ذهبت  تبحث عن السبب فسيهواك أن تعرف أن سيطرة اللوبيات الإعلامية الموجهة من الخارج أو صاحبة المصلحة الخاصة  و التي تتصادم مع الثورة المصرية و التي تحمل  في صدرها كراهية كبيرة للإسلام السياسي  و مشروعه الحضاري  علي رأس هذه الأسباب لأن من يقودون زمام هذا التنشويه مصنوعون بعناية خارجية و مساسون بسياسة النظام البائد و خاضعون لأذناب نظام المخلوع  بحمده يسبحون  ومن فضل أمواله يأكلون فمن الطبعي أن يكونوا له موالين
و للأسف فقد أصبح الشاذ الآن في الإعلام المصري ــ الرسمي و الخاص ــ أن تجد أن بعض المتابعات  المنصفة و القليلة  لما يحدث علي الساحة المصرية بينما أكثر الإعلاميين يبحثون عن الشبهات و يقيمون كيانهم علي أعراض الناس و يقتاتون من لحومهم في الليل والنهار و هؤلاء ــ كما يقول جاسم مهلهل في كتابة للدعاة فقط ـــ ( إنما يمثلون دور الذباب في حياة البشر الذي يحوم باحثا عن القيح الناتج عن الأجزاء المريضة في الجسم التي هي من خواص الجسد و هذا الصنف من البشر ما دام هذا همه فسيجد ما يقتات به حقيقة أو افتعالا )
فكثير من الإعلاميين الآن ( مثل الذباب لا يقع إلا علي الجرح ) بعض الناس لا تراه إلا منتقدا دائما ينسي حسنات الطوائف  و الأجناس  و الأشخاص و يذكر مثالبهم فهو مثل الذباب يترك موضع البرء و السلامة و يقع علي الجرح و الأذي و هذا من رداءة النفوس و فساد المزاج )
يقول الشاعر
شر الوري من يعيب الناس مشتغلا        مثل الذباب يراعي موضع العللا
قال الإمام الزهري ( رحمه الله تعالي ) حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد علي معاوية أمير المؤمنين رضي الله تعالي عنه ــ فقضي معاوية حاجه المسور ثم خلا به فقال يا مسور ما فعل طعنك علي الأئمة ؟ قال دعنا من هذا و أحسن فقال معاوية لا والله لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي ( يطلب منه معاوية أن يذكر له ما يعيب عليه ) فقال المسور : فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينت له فقال معاويةــ رضي الله عنه ــ لا أبرأ من الذنب ( لا أنكر الذنب ) فهل تعد لنا يا مسور ما نلي من إصلاح في أمر العامة فإن الحسنة بعشر أمثالها أم تعد الذنوب و تترك المحاسن ؟ ( يطلب منه معاوية أن يذكر محاسنه كما ذكر عيوبه ) فماذا قال المسور ؟
فقال المسور ما تُذكر إلا الذنوب فقال معاوية فإنا نعترف لك بكل ذنب أذنبناه فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشي بأن تَهلك إن لم تُغفر ؟ قال نعم قال فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني ؟ ( هنا يقرر معاوية بأن لكل إنسان أخطاء ..و كل إنسان يرجو غفرانها )
ثم قال معاوية فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي ولكن و الله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره إلا اخترت الله علي ما سواه و إني علي دين يقبل فيه العمل و يجزي فيه بالحسنات ويجزي فيه بالذنوب  إلا أن يعفو الله عنها قال المسور فخصمني قال عروة فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلي عليه
فهل هؤلاء الرجال الذين اختاروا رضا الله علي ما سواه و الذين يتصدون للفساد يريدون تطبيق مشروعهم الإسلامي الحضاري ليس فيهم خير أف لكم و ألف أف يا أيها الإعلاميون
إن ما يقوم به الإعلاميون الآن من اصطياد لأخطاء الإسلاميين صغرت أم كبرت و الإعراض كلية عن حسناتهم و محاسنهم و ايجابياتهم يسهم بشكل أو بآخر في إيجاد التقاطع  و التدابر بين الشعب المصري لأن ذلك يعد مرتعا خصبا و ميدانا فسيحا للشيطان فقد روي الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ( صلي الله عليه وسلم )  قال إن الشيطان قد يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب  و لكنه لم ييأس من التحريش بهم
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ و الاحتراز من أكل الحرام و الظلم والزنا و السرقة و شرب الخمر ومن النظر المحرم و غيرها و يصعب عليه التحفظ من حركة لسانه و كم نري من رجل متورع عن الفحش و الظلم و لسانه يفري في أعراض الأحياء و الأموات و لا يبالي ما يقول )
كانت أمام الإعلاميين فرصتان فرصة لأن يكونوا كالنحلة و أخري لأن يكونوا كالذباب فالنحلة تقع علي الطيب و تتجاوز الخبيث فتخرج من الورد العسل أما الذباب فيتتبع الجروح فلا يقع إلا علي كل قبيح وقذر ...

انتخابيات
 ــ  تم التعامل مع  جنسية والدة الشيخ حازم أبو اسماعيل بأسلوب المخابرات ....الرجل ظل يعلن أنه مرشح للرياسة لمدة أكثر من عام  و ليس هناك شك في أن كل مخابرات الدنيا تعلم  أدق التفاصيل عن أسرته  و لكنها احتفظت بما تملكه من معلومات  إلي آخر لحظة لتفجر المفاجأة .... كمين مخابراتي ...

ــ  بعض التحليلات تقول أن  دخول أحمد شفيق سباق الرياسة سيكون علي حساب الأصوات المؤيدة لعمرو موسي يعني تفتيت أصوات الفلول  وهذا يصب في مصلحة المرشحين الآخرين و فاتهم أنه من الممكن أن تكون الإعادة بين شفيق و عمرو موسي ...إذا حدثت في الأمور أمور ...ممكن؟؟؟؟

ملحوظة كبيرة جدا
عندما يصل هذا المقال إلي يد القارئ ـــ  بعد شهر تقريبا ـــ  ستكون الأحداث التالية هي التي تتصدر المشهد
ـــ صدور حكم الدستورية في حل مجلس الشعب و الشوري و اجهاض أروع ما أنجزته ثورة 25 يناير  و إصابة 37 مليون ناخب بالإحباط نتيجة ضياع أصواتهم هباء بلا ذنب جنوه سوي أن المجلس العسكري أصدر قانونا معيبا للانتخابات     ...كم مرة عاقبوا هذا الشعب لقيامه بثورة ضد نظام مبارك ؟؟؟؟
ـــ الجنزوري لا زال علي قلبها أو علي تلّها  رغم رفض مجلس الشعب لحكومته  وهذا طبيعي لأن الحاكم لابد أنى يتسم بالعناد ( فينك يا دكتور مبارك )
ــــ مصير التأسيسية و الدستور ــ أيضا ـــ في علم الغيب
ـــ يعني البلد بلا برلمان و لا دستور و لا رئيس
لك الله يا مصر... أسأل الله أن يخلف ظني ... 

March 19, 2012


مسمار الشوري المتين

 م. محمد أنور رياض

تعلمت من الهندسة أن أهم جزء في أي ماكينة هو المسمار القلاووظ و الصامولة .... المعروف أن أي آلة أو ماكينة  إنما هي عبارة عن قطع  مصنعة مفككة ثم يتم تجميعها و تربيطها  يكون المسمار و الصامولة هو  العنصر الفعال في تماسكها... و بالتالي قوة أداءها و ثباته ... و عند حدوث أي تآكل أو تراخي في قوة الربط  تصبح الماكينة عرضة للتوقف عن العمل أو التلف  و قد يحدث ذلك الخلل نتيجة ضعف واحد من المسامير أو أكثر في غياب من المتابعة أو الإهمال  إذ أن الوضع الأمثل للصيانة  هو التغيير المستمر لكل مسمار  يبدو عليه أول عليه علامات من عدم الصلاحية  اتباعا لمبدأ الوقاية خير من العلاج    .... و في الهندسة المدنية أيضا  فإن البنيان المتماسك هو الذي تتوفر له جودة كل مواد البناء ( اللبنات<الطوب> و الأسمنت... الزلط ... الرمل  و الحديد ) و أي عدم صلاحية لأي من هذه العناصر يعرضه مع الزمن للإنهيار و لذلك كان الحديث الشريف الذي يصف المسلمين  بأنهم  يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص و هو شأن عام  يجب أن يشعر به المسلم تجاه أخيه المسلم في شتي بقاع الأرض و يزداد هذا الشعور خصوصية في حالة  قيام أي جماعة  من المسلمين تريد أن تحمل هما أكبر ومشروعا طموحا تتصدي به دفاعا عن جموع المسلمين فإن عليها ألا تكون كالبنيان يشد بعضه بعضا  فحسب  و إنما  تكون أيضا كالماكينة جيدة الترابط  إذ أن البنيان من شأنه الرسوخ و الثبات أما الماكينة فمن شأنها الدوران والحركة و الدفع نحو الأفضل و من هنا كانت أهمية المسمار القلاوظ و الصامولة للحفاظ عل كيان هذه الجماعة
ندخل في الموضوع
لا أريد أن أتكلم عن بنيان جماعة الإخوان المرصوص الذي أبدعته عبقرية حسن البنا  سيد شهداء هذا العصر و مؤسسها الأول و الوحيد  (إذ ليس في أدبيات الإخوان ما يسمي بالمجدد أو بالمؤسس الثاني  ) و هو بناء يقوم علي قواعد من الأُسر و ينتهي في قمة الهرم بمكتب الإرشاد وعناصره تعتمد علي جودة وصفات الفرد المسلم و كلها أوصاف يكون أعلاها عند تكامل الشخصية في بعديها  الروحي و المادي الذي يتمثل في تقوي الله و حسن عبادته  والإخلاص له في السر و العلن و التسلح بمتانة الخلق و مكارمها ثم تنمية قدراتها الثقافية و المعرفية مع سعة الصدر و الاستعداد النفسي و المادي لحمل تكلفة السعي الحثيث   لنشر الدعوة و تحمل تكلفة ما يقابله من عنت و صعاب ثابتا و راضيا محتسبا لا تهزه الفتن و لا يملك اليأس إلي نفسه سبيلا.
...إنما موضوعنا عن آلية اتخاذ القرار داخل الجماعة و المسمار الرئيسي  الذي يحفظ لهذه الآلية  حسن الأداء ....مسمار الشوري ....الأخ الذي يبدأ أولي خطاته داخل الإخوان إنما يجذبه مغناطيس الرغبة في أن يجد ذاته  و البحث عن الطريق الذي يؤدي للتصالح مع فطرته التي فطره الله عليها و الفضول في اكتشاف المعني الحقيقي لوجود الإنسان في هذه الحياة  ...يدرك الأخ مع أولي خطواته أنه قد انضم لجماعة  تستخدم أدوات الإسلام و آلياته  في صقل  مقوماته و مواهبه  مُعظّمة  صفات    العطاء و البذل ... تهب و لا تغنم  ... تصبر علي الأذي و لا تبادر بالعدوان ... تحتسب كل ما تلاقيه فداء ليوم تدبر فيه الدنيا ولا يبقي للإنسان منها إلا سعيه و عمله يواجه به رب كريم ... و من كان هذا شأنه و من كانت هذه نيته و من كان هذا سلوكه فإن رأيه و حركته و سكنته هي لله ( قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين ) الأنعام 162 ... الإخوان تربي كوادرها تربية تطلق طاقاتهم الإبداعية ليكونوا إضافة و سندا و تفتح الطريق واسعا أمام ملكاتهم للتصعيد و الدفع بهم إلي الصدارة  في مسار القيادة  ومن هنا كان الحفا ظ علي عنصر الحيوية التي تميزت به الجماعة البالغ عمرها أكثر من ثمانين عاما .... لا يدرك الكثيرون أن التواصل مستمر بين القاعدة و قمة الهرم و أن طريق الرأي مفتوح لا تعوقه أي إشارة حمراء  حتي يصل إلي مداه ....و لكن مفتاح   التحكم في ربط صامولة   مسمار الشوري هو أن ما تجمع عليه الأغلبية  يصبح قرار الجماعة  ولا رأي غيره لمن وافقه و لمن خالفه علي السواء... هذا ما يعلمه و يدركه جميع أفراد الجماعة الكبير قبل الصغير و لا قيد علي من يريد مخالفة هذا الثابت  سوي أنه في هذه الحالة يعلم علم اليقين و عين اليقين و حق اليقين أنه عندئذ يكون قد أصبح خارج السرب  حتي و  إن ادعي ــ غرورا ــ أنه هو السرب نفسه   و لا يحق له أن يستند إلي تاريخ أو فضل  فالجميع أصحاب تاريخ و الفضل لله أولا و أخيرا    حدث ذلك أيام البنا  و أيام من بعده ...   أيام اليسر و  العلنية  و أيام العسر من الملاحقة و التضييق و المحن... و استوي في ذلك من كان في الساقة و من كان ملئ السمع و الحيثية....  كل من حاول النيل من ربط المسمار و الصامولة  انتهي به المصير خارج الجماعة وسط محاولات و مراجعات تنتهي بالأسف له و عليه و لكن ظلت الجماعة  متماسكة ببنيانها  و مساميرها  المربوطة بإحكام و ستظل عناية الله تسدد خطاها لأن يد الله مع الجماعة و لا يأكل الذئب إلا من الشاة الشاردة... 

March 4, 2012

نكت بايخة


نكت بايخة
م. محمد أنور رياض
هل بلغ بكم الملل و الزهق مثلما بلغ بي ؟؟؟
هل بلغ بكم القرف من الفضائيات ومن الدِّش و الللاب توب و الآي باد و الآي فون   وكل ما هو آي و السبب في ( آي يادماغي ) ....طاحونة رغي لا تنتهي و دوامة لت وعجن  مستمرة   فجرتها تكنولوجيا الاتصالات  تقودها  نخبة ( تلقيح جتت  لم ينخبها أحد ) و مقدمي برامج ( مشاءون بالإثارة  و النمينة و مروجو الإشاعات  و النكش في قمامة الأخبار   ) أشكال و ألوان نازلة دَشّْ و تقطيع و نقد... ما  يقولونه اليوم ينكرونه بعد ساعة ...جراب الحاوي لا يفرغ من خداع العقول  يقنعك بالشئ  و يعدد محاسنة و في نفس القعدة  و بنفس الحماسة ينفرك من عيوبه    و في النهاية لا شيئ ... الجنازة حارة علي مدار الساعة  و االميت كلب
نصيحة  لا تستسلموا للزهق و لا القرف و لا تنظروا إلي نصف الكوب الفارغ  و استمتعوا بالنصف الآخر ....النصف الكوميدي ....لنبدأ
مراهق سياسة فاشل  و أراجوز  صَنَعته الملايين   قال أن الإخوان يجمعون السلاح المهرب من ليبيا .... اتهام جديد لانج  كان من الممكن أن يكون له صدي أيام المتعوس و كان من الممكن أن تتبناه مني الشاذلي مع فرية ميليشيات الأزهر و لكن بعد الثورة و بعد أن أصبح الإخوان علي أعتاب الحكم بإرادة الشعب هنا لا بد أن يؤخذ ما يقوله متعدد المواهب أبو خرطوشة حمراء و متعهد المسيرات علي أنه نكتة قد تكون بايخة و لكن لماذا لا نحولها إلي فكاهة قد تخفف حالة الاكتئاب التي تسببها لنا وجوه الفضائيات  و هذا بالفعل ما تناوله الفيسبوكيون  فمن طالب نصيبه  من السلاح .... دبابة أو هليوكوبتر أو بارجة يحطها في البانيو و غواصة  علي قد حوض المطبخ و آخر يذكر مرتكب هذا ( الفاول ) بكلامه السابق عن وجود صفقة و اتفاق بين الإخوان و العسكر يبقي لماذا السلاح  وضد من ؟؟؟ و من قائل السلاح من ليبيا و الخرطوش من جراب أبو( ...) أما أخونا الظريف محمد مصطفي فكان مقاله في الحرية والعدالة  منصبا علي  استحقاقه في دبابة بالتقسيط المريح  أربعة راكب  من أجل الأسرة  حدد لونها و مواصفاتها لتلائم  استخدامها بين البيت و العمل ( و نسي شرط أن تكون من النوع هاتش باك و  علي الزيرو  مفَيِّمة و فول أوبشن  و لها توكيل في مصر ) مشيدا بنفسه علي اعتبار أنه سائق دبابات لا يشق له غبار ...أما أنا فلي عتاب علي اخواننا المسؤلين عن صفقات السلاح حيث أنهم يبددون مال الإخوان في شراء سلاح انقضي زمنه  فقد مضي عصر الدبابة و المركبات المجنزرة و المدافع و ( الساروخ )  التي لاتصلح لحرب المدن و الأزقة...و ( ليه تشتري الأغلي مادام فيه الأرخص ؟؟؟)  نحن نعيش   عصر المولوتوف و الشماريخ و الحجارة و كسر الرخام  و المقلاع  القاذف لقطع الحديد  ( هذا وصف منصور العيسوي وزير الداخلية السابق ) ... لسنا في حاجة إلي آلي و جرينوف و فرد خرطوش  و  لا إنفاق الملايين علي الفاضي  و لنستفيد من خبرة إخواننا أصحاب نظرية  الاعتصام لإسقاط الدولة  الذين  يرفعون شعار ( فيها أو أخفيها و نجيب عاليها واطيها...نبوظها  قبل أن  يحكنا الإخوان )... إنما يكفي الجلوس علي ناصية أي قهوة و التعاقد مع من يقوم بالمهمة من الصِيَّع و أطفال الشوارع و التسعيرة معروفة  و مع الفصال ...النفر( عشريناية ) مع وجبة وحاجة ساقعة أما  راكب الفسبا أو التوكتوك فيستحق( خمسيناية ) ( لنقل المصابين و جراكن البنزين 80  ) و في القواعد الخلفية خبراء تعبئة زجاجات المولوتوف  و ولع يا جدع  الثورة مستمرة ....
النكتة لا زالت بايخة ...هـــه ؟؟؟؟
النكتة الثانية  ربما تكون أكثر بواخة ... و
بعد الهتاف المتكرر بسقوط العسكر و الإلحاح بنقل السلطة فورا و حالا لسلطة مدنية ... و بلغت الرغبة في ذلك حد التهور عندما  طالبوا بإسنادها للكتاتني ( رئيس مجلس الشعب  ) ليكون أول صعيدي ( يوحد  الوجهين )... السلطتين التشريعية  و التنفيذية و هو ما رفضه ( صقر المجلس ) ربما علي اعتبار أنه كمين غير ظاهر البراءة ... و لا أريد أن أقلب المواجع و أذكرهم  بمن كان السبب في تمطيط الفترة الانتقالية  و ما حذر منه المستشار البشري بألا يتركوا العسكر فترة طويلة في الحكم حتي لا تحلوّْ في عنيهم  و يتكرر ما حدث سنة54  و لا أن أعيد حكايات  ضغطهم علي العسكر لكي ينفردوا بكتابة الدستور ثم الالتفاف علي إرادة الشعب  بالقواعد الحاكمة أو الخانقة   و التي أصبحت نافقة  ...و ....و الخ الخ ... المهم عجلة الديوقراطية دارت رغم محاولات وضع العصاية فيها و وصلت الآن آخر مراحلها  و  تشكيكهم الدائم في كل خطوة .... ..فما هو المفروض  في سلوك أي سياسي  رأي حلم تسليم الحكم لسلطة مدنية علي وشك أن يتم ... لا أقول يدخل في عشرة بلدي و لا ينزل الشارع و بالحضن لكل من يقابله حتي لو كان نشال  ... إلا أن الغريب هو أن أكابر السياسيين تذكروا أن العصاية لا زالت في أيديهم  و يمكن وضعها في المادة 28 ...
يتباهي رفعت السعيد بأنه ( حصريا ) أول من  اكتشف أن المادة 28 عورة و خنفة و معيبة  لأنها تعطي حصانة  لقرارات أكبر قضاة مصر الدستورية والاستئناف و مجلس الدولة  وتسد الباب في وجه محترفي الطعن علي الانتخابات عمال علي بطال أمام المحاكم ــ كما حدث في انتخابات الشعب و الشوري  الأخيرة ــ... هــه ... موافقين علي إن المادة فيها السبع عيوب و رجلها أيضا مسلوخة   و المفروض أن السياسي المحنك الحريص علي البلد و سرعة نهو المرحلة الانتقالية المليئة بالأزمات و الارتباكات ...السياسي الفاهم  يلجأ إلي فن الممكن ــ و مالا يدرك كله لا يترك كله ــ يفعل مثلما قام به مجلس الشعب  بالحد عمليا من ضرر المادة المحصنة دستوريا باستفتاء مارس  آخذا في الاعتبار أن تكرار الاستفتاء علي إلغائها من شأن تعطيل مسار تسليم السلطة من العسكر و أن الانتخابات لم تعد سيبة  و  أن ضمانة النزاهة متعددة و مجربة  و أهم هذه الضمانات هي رقابة الشعب و لا زال القضاء في مجموعه مصدر ثقة و حائط صد ضد التزوير الجماعي أو الفردي  ...أماالسعيد ( صاحب الأغلبية في الانتخابات الأخيرة !!!!) وشايل سيفه  فتوعد المادة بالملاحقة و الطعن و ياأنا يا هيه ... السعيد بدأ ليفتح حنفية الهجوم علي المادة المنكوبة فتوالي  سيل الاقتراحات لإلغائها حتي لو استدعي الأمر استفتاء الشعب ثانية  غير عابئين   بحالة الزهد التي يمر بها حاليا  في رؤية مراكز الاقتراع   بعد أن تشبع من تكرار الطعون العبثية  و إعادة الانتخابات البرلمانية أكثر من مرة  مستخدمين حجج و ألاعيب قانونية ... 
 أما  الوطنية للتغيير ( فاكرينها )  فضربت تصريحا في الكلوب  قائلة  أن مسار عملية انتخابات الرياسة ستؤدي إلي كوارث ....
يا حفيظ ...
الغريب أن الرغي كله يدور حول  السياسة  وبشكل فج مثلهم مثل المُعدم الذي لا يشغله إلا أحوال البورصة     فلا حس ولا خبر عن التنمية و الغلاء و مشاكل الخدمات صحية و معيشية و تآكل  رصيد الاحتياطي من  العملة الصعبة و حافة الهاوية  الواقف  عندها اقتصادنا المهلهل و كأنما تخلصت مصر من كل مشاكلها و أصبح  كل مصري يعيش ترف  امتلاك القيللا و اليخت و التوكتوك ...و شاليه في مزرعة طرة...!!!
النكتة الثالثة : عن التوافق
في الاجتماع الأول مع العسكري طرح فضيلة المرشد الدكتور بديع فكرة التوافق علي قائمة واحدة تضم كل القوي السياسية  في شكل تحالف يتكاتف فيه الجميع لعبور المرحلة الانتقالية و مواجهة ماحل بمصر من تجريف لكل مظاهر الحياة خلال العقود الماضية وهي كوارث لا تحتمل تأجيل مواجهتها و ينوء بحملها فصيل واحد  ....رسالة المرشد واضحة وموجهة للداخل و الخارج مفادها أن الإخوان لا يسعون إلي الحكم منفردين بل يمدون يدهم للتعاون مع الجميع بلا استبعاد أو إقصاء و هو امتداد لخط واضح انتهجه الإخوان في مشاركة كل الفعاليات مع جميع الأطياف التي تمت لمعارضة حكم المتعوس مبارك قبل الإطاحة به   وكان من المفروض أن تقابل هذه الدعوة بما يتطلبه الموقف من ارتفاع إلي مستوي المسئولية إلا أن توالي الأحداث  أثبت أن الجميع أخطأوا الحساب فمنهم من أصابه الغرور و صدق أنه قوة سياسية بحق و حقيق و منهم من أخذه الكبر و العزة بالنفس و أبي أن يتازل و يضع يده في يد الإسلاميين و هو العلماني أبو التنوير أ و السياسي الذي رضع فكر ماركس و إنجلز المُعدّل و المطعم بمصالح المارينز العرب و المدعوم بالاخضر الامريكي  و بدلا من التوافق  رفعوا السيوف و ركبوا أبواق الإ علام رافعين رايات الشقاق و التنافر حتي استقر في أذهان من لحست عقولهم دعايات الأبالسة عن كلمة التوافق علي أنها  كلمة (  أبيحة ) خادشة للحياء  يستحلها الإسلاميون الانتهازيون للوصول إلي الحكم  و هم بهذا الاتهام يدينون أنفسهم بنظرتهم للحكم علي أنه كعكة و غنيمة و ليس ابتلاء و هم ثقيل قد يؤدي بمن يحمله إلي الانتحار سياسيا....
الآن وقد قال الشعب كلمته و اتضحت الأوزان الحقيقية  للقوي السياسية الكرتونية  عندما صوت الشعب للإخوان و غيرهم من الإسلاميين  بالملايين ليس في البرلمان فحسب و إنما في النقابات ونوادي هيئات التدريس التي تمثل عقل مصر وفكرها ساحقة دعاية رخيصة عن رشوة الناخبين بزجاجة زيت و حتة لحمة و نافية دعاية أشد تفاهة عن استخدام الدين في الدعاية  وهي تهمة نعتز بها عندما نخاطب شعبا استعاد ذاكرته و يأبي أن  يفرط في هويته و هي في نفس الوقت دعاية تدينهم بأنهم استخدموا لغة رفضها 80% من شعب كنانة الله في أرضه 
و الآن و نحن علي أبواب انتخابات المنصب الأسمي لرئاسة مصر أليس من الأفضل أن يتوافق الجميع عليه  حتي لا تتشتت الأصوات و يقفز علي الحكم رئيس يشكل خميرة عكننة  مع البرلمان و الحكومة القادمة مثل الشريك المخالف فتتعطل مسير ة الإصلاح  و تنشأ حالة من الصراع  تفتح الباب إلي جحيم من الفتن  و الأطماع ... الإخوان لا زالت أيديهم ممدودة ,,, و لكن  هل  تستمر خالتي عزيزة علي حالها ( خطبوها اتعززت.... تركوها اتندمت !!!!)          
اضحكوا إن استطعتم  فقد أصبح شر البلية  ....يغم
نكتة أخيرة :
 تتعرض مصر لموجات من السطو المسلح ( انفلات أمني ) يستدعي مساءلة الداخلية
و تعرضنا في الفترة الأخيرة لموجات شديد البرد  ( انفلات جوي ) تستدهي مساءلة الإخوان   !!!!

February 19, 2012

حسن البنا ... بصيرة شاب .. و رؤية عبر الزمان
م. محمد أنور رياض
ولد حسن البنا في أكتوبر 1906 بقرية المحمودية ـ محافظة البحيرة ـ.. أبوه هو الشيخ أحمد عبد الرحمن (مأذون القرية وإمام مسجدها) وعالم الحديث.
أما ابنه حسن فقد تخرج من دار العلوم بعد أن مر بمراحل التعليم المعتادة من حفظ القرآن الكريم في كتاب القرية , ثم المدرسة الابتدائية , ثم مدرسة المعلمين ... وأخيرا دار العلوم , ورغم أنه كان متفوقا في كل هذه المراحل إلا أنها رحلة مر بها العديد من أقرانه ... ؤية عبر الزمان
مدرس ابتدائي عمره واحد وعشرين عاما ... في مدرسة الإسماعيلية الابتدائية وبالتحديد في 19 سبتمبر 1927 م ... فما الذي يمكن أن يحلم به شاب في مثل ظروفه .. فقير لا يملك سوي مرتبه , في بلد تحتله أقوي إمبراطورية عسكرية .. ويبدأ حياته في مدينة تحكمها شركة قناة السويس الاستعمارية, وهي دولة داخل الدولة تستغل وتسخر كل من يعيش في المدينة لخدمتها ..
فهل كان علي حسن البنا أن يعيش حلم مدرس الابتدائي عن الشقة والزوجة والأولاد والجدول الروتيني من المدرسة إلي البيت ... قيلولة بعد الغذاء .. ثم سهرة المقهى.. مع صحبة الأفندية في سمـر الرغي وطاحونة النميمة ثم .. يقفل عائدا ألي المنزل منتشيا متبخترا في مشيته محشورا داخل بدلته الكاملة وطربوشه الأحمر علي رأسه ... يوم مكرر مطبوع ومكتوب في صفحة الحياة سطرا بعد سطر ليبلغ في نهاية السلم الوظيفي إلي حضرة الناظر أو إذا سانده الحظ والواسطة ـ إلي سعادة المفتش العام .. ثم المعاش... ثم في انتظار الأجل يقضي بقية عمره جالسا علي الكنبة الإسطنبولي في الصالة لابسا الجلباب والطاقية يجتر ذكرياته عن تلاميذه الذين تفرقت بهم السبل والأقدار فترفع من تميز بالبلادة والغباء , وتحط وتهبط بذوي النجابة والذكاء .. وهي حال الدنيا !!!
فهل كان حسن البنا واحدا من هؤلاء (الُخوجات) ؟؟ ... وهل كان هذا هو الحلم , والأمل , وغاية المني ؟؟؟.. البنا كان له حلم آخر ... وأمل مختلف ... وتطلُّع إلي أفق بعيد ـ علي مد د الشوف ـ ربما لم يكن يراه ـ حينئذ ـ غيره .. انتهي به المطاف بعد عشرين عاما استثمر فيها كل ثانية من حياته لتحقيق أهدافه ـ ليغتالوا جسده شهيدا وهو لم يتجاوز الثالثة والأربعين من عمرة ...
في ليلة باردة سوداء كئيبة مقفرة من شهر فبراير 1949, حملوا جثمانه إلي منزله المحاصر بسواد العسكر وكلاب البشر التي ُتؤمر فتعـقر كل رجل تدب في حي الحلمية ... وسلموه إلي أبيه الشيخ المفجوع ليقوم بتكفينه بنفسه ويضعه في نعشه بلا مساعدة , وتحمله النساء إلي مسجد قيسون الخالي من المصلين بعد أن قطعوا طرقات مقفرة وشبابيك وأبواب أغلقها الخوف من بطش وإرهاب الدولة المهزومة علي حدودها من عصابات بني إسرائيل ... كل من شاهدوه علي بعد طاردوه .. وكل من اقترب ـ صدفة ـ اعتقلوه .. كل من رفع أصبعه بالشهادة قبضوا عليه ... ظلوا يحرسون القبر شهورا في غباء من يظن أ ن الذكري يمكن دفنها مع الجسد ....!!
ولا يستطيع أحد أن يصف هذا المشهد إلا والده .... الشـيخ الثاكل المؤمن ...
كتب الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا والد الإمام الشهيد في العدد الرابع من مجلة الدعوة الصادر في 13 فبراير 1951 بناسبة ذكراه الثانية بعنوان (ولدي الشهيد) ... فقال..
عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ في قصة موت إبراهيم ابن النبي صلي الله عليه وسلم , قال فجاء رسول الله (صلي اللله عليه وسلم) فدعي بالصبي فضمه إليه , قال أنس , فلقد رأيته بين يدي رسول وهو يكيد بنفسه , فدمعت عينا رسول الله (صلي اللله عليه وسلم) ... قال : قال رسول الله (صلي اللله عليه وسلم) , تدمع العين ويحزن القلب , ولا نقول إلا ما يرضي ربنا عز وجل والله إنا بك يا إبراهيم لمحزونون...
تتمثل لي يا ولدي الحبيب صورتين , صورة وأنت رضيع لم تتجاوز ستـة شهور , وقد استغرقت مع والدتك في نوم عميق , وأعود بعد منتصف الليل من مكتبي إلي المنزل , فأري ما يروع القلب ويهز جوانب الفؤاد , أفعى مروعة قد التفت حول نفسها وجثمت بجوارك , ورأسها ممدود إلي جانب رأسك وليس بينها وبينك مسافة يمكن أن تقاس, وينخلع قلبي ,فأضرع إلي ربي وأستغيثه فيثبت قلبي ,ويذهب عني الفزع , وينطق لساني بعبارات واردة في الرقية من مس الحية , وأذاها , وما أفرغ من تلاوتها حتي تنكمش الحية علي نفسها وتعود إلي جحرها , وينجيك الله من شرها لإرادة سابقة في علمه , وأمر هو فيك بالغه...
وأتأملك يا ولدى وأنت صريع وقد حملت في الليل مسفوكا دمك , ذاهبة نفسك , ممزقة أشلاؤك .. هابت أذاك حيات الغاب , ونهشت جسدك حيات البشر , فما هي إلا قدرة من الله وحده تثبت في هذا الموقف , وتعين علي هذا الهول , وتساعد في هذا المصاب , فأكشف عن وجهك الحبيب فأري فيه إشراقة النور وهناء الشهادة , فتدمع العين , ويحزن القلب , ولا نقول إلا ما يرضي ربنا عز وجل (إنا لله وإنا إليه راجعون) , وأقوم يا ولدي علي غسلك وكفنك , وأصلي وحدي من البشر عليك , وأمشي خلفك أحمل نصفي ونصفي محمول, وأفوض أمري إلي الله إن الله بصير بالعباد ...
أما أنت يا ولدي فقد نلت الشهادة التي كنت تسأل الله تعالي في سجودك أن ينيلك إياها فهنيئا لك بها , فقد روي البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي (صلي اللله عليه وسلم) قال: ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلي الدنيا إلا الشهيد فإنه يتمني إن يرجع إلي الدنيا فيقتل عشر مرات لما يري من الكرامة...
اللهم أكرم نزله , وأعلي مرتبته , واجعل الجنة مثواه ومستقره , اللهم لا تحرمنا أجره , ولا تفتنا بعده , واغفر لنا وله, وبلغه أمله من القرب من رسول الله (صلي اللله عليه وسلم) .. (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) ...
وأما أنتم يا من عرفتم ولدي واتبعتم طريقه , إن خير ما تحيون به ذكراه أن تنسجوا علي منواله وتترسموا خطاه , فتتمسكوا بآداب الإسلام وتعتصموا بحبل الأخوة , وتخلصوا العمل والنية لله ... وأوصيكم بأن تكونوا صورة صادقة لسيرة ولدي رحمه الله , لا تبتغون من الناس جزاء ولا تخشون غير الله ربا ولا تضمرون لأحد شرا أو أذي (ومن أحسن قولا ممن دعا إلي الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) .. ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم, وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) ..
منعوا الناس من تشييع جنازته ...
فهل منعوا الملائكة .. ؟؟؟
حرسوا القبر بالجند والعسكر ....
فهل منعوا عنه الدعاء .. وتكاثر الأنصار .. ؟؟؟
دفنوا البنا ... فهل دفنوا معه أحلامه .... ودعوته.. ؟؟؟
الذين اغتالوا البنا ـ أول مرة ـ قتلوا جسده بأيدي رجال بوليس الملك المجرمين ... ثم قبض عليهم وحوكموا في بداية انقلاب يوليو العسكري ... ووقف عبد الناصر ـ حينئذ ـ علي قبره يشيد بجهاد البنا كيدا ونكاية في الهضيبي , وإشعالا للفتنة داخل الإخوان حيث كان لا يزال بعض الإخوان يظنون ـ وبعض الظن خدعة ـ أنه لازال علي العهد ... وبعد الصدام والقبض علي الإخوان ووضعهم في السجون .. أفرج عبد الناصر عن قتلة البنا لينال وزر الاشتراك في قتله مرة ثانية... وليفتح الباب لطابور طويل من القتله ممتد حثي الآن .... العجيب أن كل منهم يظن أن نهاية دعوة البنا ستكون علي يديه ... والعجيب أيضا أن القاتل في كل الأحوال يبوء بالخسران بينما دعوة البنا في نماء وانتشار .. !!!
البنا مات شهيدا ... والنهاية تفسر البداية,ولكنها نهاية ليس لها نهاية ....
كيف كان الجو الذي أحاط ببداية مدرس الابتدائي الشاب الذي بالكاد بلغ سن التكليف القانوني أو سن الرشد كما يسمونه وهو 21 عاما .. ؟؟
كانت مصر مستعمرة يحتلها الإنجليز ويحكمها من قصر الدوبارة المندوب السامي أو السفير البريطاني ... وفي الواجهة وأمام الناس خيال مآته نظام ملكي علي رأسه ملك بدأ صغيرا (عيلا) تحت الوصاية يلعبون به وبالشعب , وانتهي إلي داعر قمرتي يلعب بالجميع .... المحيطون به من (رجال) القصر وغيرهم من الساسة مالكو الإقطاعيات المترفون وهم عبارة عن هياكل بشرية تتد لي من تحت الطرابيش ولا يمكن التمييز بينهم إلا من حيث ميل زاوية الطربوش فوق الرأس , واتجاه وضع (الزر), ولا يعرفون من السياسة إلا أنها فن المقالب .. وضرب الزنب والمقصات,والتآمر للحصول علي كرسي الوزارة والحكم ... ويعرفون أن الفوز في اللعبة لا يتحقق إلا لمن يسبق إلي حجر المندوب السامي البريطاني وهو الوحيد الذي يستطيع إخراج الكارت الأحمر لمن يتجاوز القواعد بمن فيهم (مولانا جلالة الملك المعظم) !!!!
باشاوات الطرابيش كانوا منقسمين إلي أحزاب مُدجّنة يتنابون الركوب علي ما يسمي بالحكم ... يرفعهم شلوت ..
ويهوي بهم آخر .. البلد والدولة كانت حينئذ سداحا مداحا للمالطي والأرمني والجريجي اليوناني والقبرصي والبلجيكي وكل ما هو صنف أوروبي يمتلكون الشركات والترماي والبنوك والخمارات والكباريهات يسيطرون علي الفلوس والأرزاق ... خواجات محصنون تحت الحماية ... وغزو ثقافي أشد لعنة من الغزو العسكري .... بعثات التنصير, والمدارس تمارس ضلالها وتضليلها بكل حرية ... مدارس الفرير والمير دي دييه (أم الرب) والفرنسسكان والليسيه وفيكتوريا مخصصة لطمس الهوية ومحو الذاكرة , ولا يدخلها إلا الطبقات (إلهاي) استثمارا وإعدادا لقادة المستقبل في مؤامرة خبيثة لا تكل عمادها حشو العقول الفارغة بفراغ شامل والقلوب الميتة بنزع كل أثر للحياة يمكن أن يدب فيها يوما ,وملئ النفوس المتكبرة استكبارا أشد , وتعاليا أكثر عتلا .. ومخاصمة بائنة ـ لا رجعة فيها ـ للدين والتراث ... أما كوادر هذه الطبقة الهاي ورأس الرمح فهم الإقطاعيون وأبناؤهم العاطلون بالوراثة والملحقون ذيولا في ثقافة الفرنجة ومن بهرتهم طريقة حياتهم ... الطبقة التي ملكت الأرض لا عمل لهم إلا جني غلتها وأكل عرق عبيدها من الفلاحين والتحكم فيهم بما يضمن دوام استكانتهم ورضوخهم للأسياد والهوانم والبهوات الصغار.. وعليهم أن يقنعوا بما فرضوه عليهم من عيش الكفاف رغيف الخبز والبصل وعود الفجل وعند ما يبلغ الترف مداه فإن قطعة الحلاوة الطحينية تستحق أن تكون حدثا يُؤرخ به وغاية المراد من رب العباد .. و... حياة تستحق غنوه (ما أحلاها عيشة الفلاح متهني وباله مرتاح) ... !!!
المشهد لا يكتمل إلا بيهود مصر الذين لا ينقصهم الذكاء فقد كان المشهد السياسي والاجتماعي مثاليا بالنسبة لهم ....
عرف هذا العهد أسماء من اليهود كانت تتحكم في التجارة والمال ـ وهي لعبتهم الأزلية ـ إميل عدس .. بيير ديبرمان .. رولان لينين ميبيو .. موريس يوسو .. يوسف زكار .. إيلي بصري .. أصلان قطاوي .. موصيري .. وغيرهم ... أسماء تسخر خير أرض الكنانة في دعم عصابات بني صهيون بقيادة بن جوريون وبيجن ووايزمان .. وتمويل الأقدام النجسة التي تخلع شعب فلسطين من جذوره وأرضه في هجمة بربرية , تتارية .. واستخدموا في ذلك كل ما يملك بنو إسرائيل من مكر موروث .. حتى إن بيت هيلين زوجة الخواجة موصيري كان هو الوكر المحبب للملك يلتقي فيه الممثلة ليليان كوهين المشهورة بإسم كاميليا والمتخصصة في تمثيل أدوار الإثارة ... هيلين كانت تحتفظ برقم تليفون خاص بالملك لا يستخدم إلا في ترتيب وتجهيز قعدات الأنس والذي منه , وبرتيته القمار ولوازمها ....
شاهد حسن البنا أمته الغائبة والمغيبة الغارقة في ظلمات الجهل والفقر لا تعلم من دينها إلا ما تراه من تناحر بين العلماء علي ترتيب فرائض الوضوء أو خلاف وجدل حول الجهر بالنية ـ في بداية الصلاة ـ أو الإسرار بها
عاصر حسن البنا اختفاء الإسلام من الجغرافيا بعد سقوط الخلافة في تركيا وتمزق بلاد المسلمين بعد أن دنستها أقدام المحتل الإنجليزي والفرنساوية والطليان والصرب... وبدأ زحف اليهود في هجرة استيطانية إلي أرض الأنبياء يدفعهم غل اكتنزوه قرونا داخل الصدور .. وخلا الجو لكل ناعق بالقومية والوطنية أو التشبه بالفرنجة الغزاة ...... كل هذا والاستعمار سعيد .. قرير العين .. يلعب معهم لعبة النفي والاعتقال .. زيادة في التلميع , وحبك الملعوب .. وتعميقا لتقطيع وعزل الأوطان ... ودفنا في أغوار الأرض لفريضة الجهاد وإحياء مجد الإسلام , وصار ما فعله كمال أتاتورك بدار الخلافة هو المثل المطلوب اتباعه حيث حاصر المساجد وأنكر الشريعة وحرم الكتابة بالعربية والحجاب واستبدل العمامة بالقبعة.. واتخذ من العلمانية دينا ... ولا زالت كلابه تحرس هذه المبادئ حتي يومنا هذا...
فمذا فعل حسن البنا مدرس الابتدائي .. ؟؟؟
وماذا فعل البنا الذي وقف وحيدا وسط ظلمات بعضها فوق بعض .. ؟؟؟
شاب في العشرين من عمره لا يملك من حطام الدنيا إلا قلبا مبصرا , وإرادة تساندها القدرة العلية, وتكليف يتمثل في نبي الله موسي المطارد من قوي البغي ... عند ما ناداه ربه بالوادي المقدس طوي (اذهب إلي فرعون إنه طغي).. وتاريخ طويل متواصل من الدعاة الذين جددوا للأمة دينها وحفظوا لها ذكرها .. و كلهم بدأوا فرادي .... وتوالت الأحداث...
في خلال العشرين عاما التالية من حياة البنا ...
أصبح العدو الأول للصهيونية ..
والعدو الأول للمستعمرين الإنجليز ..
والعدو الأول للإقطاعيين والأجانب المتحكمين في حركة المال والاقتصاد والتجارة ..
والعدو الأول للأحزاب وعرائس المشهد السياسي ..
والمطلوب رأسه عند الملك ...
قبل حسن البنا كان الزعماء ينادون بعبارات من الهجايص عن الاستقلال التام أو الموت الزؤام ... ووحدة وادي النيل , يلهثون وراء سراب المفاوضات. مع عدو يتبغدد في دلال سمج قبيح ... التفاوض ثم التفاوض حتي لو انتهي التفاوض إلي تكريس التبعية والتخلف والارتباط ذيلا في مؤخرة الاستعمار ....
مع حسن البنا .. سقطت حكومات .. ورفضت مفاوضات ومعاهدات ... وصار للشارع كلمة مسموعة تهز أركان الدولة .. ويخشاه جيش الاحتلال ....
استيقظت الأمة علي قضية فلسطين .. وأدركت الخطر المتربص بها يهدف إلي إبادة أمة ألإسلام والقصاص لبنى قريظة وبني النضير , وخيبر ...
مع حسن البنا ارتفعت راية التوحيد مجددا...
واليوم بعد أكثر من مائة عام من مولد البنا , تنتفض أرض الإسلام ... لا يوجد شبر واحد فيها إلا وقد نبتت فيه شجرة لثورة وصحوة ورفض ومقاومة .... الإسلام السياسي رفع أعلامه وراياته فوق كل المنارات لا يخلو منها حي أو مدينه من الصين شرقا حتي أمريكا ذاتها غربا .. وحتى في بلاد العداوة والبغضاء توجد بؤر تتوهج بالإيمان ... وتنوعت ألوان الصحوة والمقاومة من حمل السلاح والجهاد بالنفس والمال مرورا بالنضال العلمي والتفوق المهني إلي الكفاح السلمي واقتحام أسواق التجارة والمال .... مسلمون يتدفقون حيوية وحياة صوب هدف واحد .. وأمل في يوم آت لا ريب فيه يتوحدون فيه تحت راية لا إله إلا الله...
حسن البنا هو صاحب البذرة ...
حسن البنا لم يضع البذرة في أرض الكنانة ..... وإنما نثرها في الهواء لتحملها الرياح إلي أركان الأرض .... جميع التيارات الإسلامية المعاصرة تدين في وجودها إلي الجماعة الأم وإن اختلفت اجتهاداتها .. فإنها في النهاية رافد من النهر الكبير تفرعت منه ... جميع من انشق .. واختلف .. بعد وتباعد .. يوما ما .. سيعود إلي الحضن الكبير ... دعوة البنا ....
ويظل السؤال ...
ماذا فعل البنا ليحدث هذا التسونامي الذي يهدد كل منشآت الضلال بالدمار والزوال.. ؟؟؟
عرف التاريخ العشرات والمئات من المصلحين والمفسدين والطغاة ....ماركس وإنجلز ولينين ... وعرف غاندي ونهرو وتيتو وجنكيز خان ونابليون ومحمد علي ... وهلك هتلر وستالين وموسيليني ... وترك المفكرون والفقهاء والفلاسفة تراثا وحضارات ... إلا أن الجميع إما أن انتهي أثرهم بموتهم أو بهت فكرهم مع تطور الزمن أو تغير معالم ما جاءوا به بفعل ما أضافه اللاحقون وربما بنقضه أو بالفعل المضاد رغم ما قيل عن معظمهم بأنهم أحدثوا وبدلوا وصنعوا وانعطفوا بالتاريخ ....
حسن البنا لم يفعل أي شئ من ذلك فلم ينعطف بالتاريخ .. ولم يجدث انقلابا .. ولم يغير أو يبدل .. وكل ما فعله ببساطة شديدة أنه لم يأت بأي جديد ... لم يخترع فكرا , وإنما أعمل فكرا ... وفعّل عقلا ... وأشعل بصرا .. ودل علي الطريق ... ومن هنا جاء اللقب العبقري الذي اختص به موقعه من الدعوة (المرشد) .... لم يطلق علي نفسه لقب قائد أو رائد أو رئيـس أو زعيم ... ولو فعل ما كان تعدي الحقيقة .. ولكنه اختار لقبا لا يوحي بأي معني للأبهـة أو السيطرة مدركا بحس المؤمن أن طريقه مزروع بحقول الألغام ومستعمرات الأفاعي فمن أراد أن يسير معه فعليه أن يودع الدنيا بمتاعها , ولا يتوقع مقا بلا أو عرضا .... لا شهرة ولا مادة ... وما هو إلا حامل رسالة يبلغها .. ومرشد ودليل ... علي من يؤمن به أن يتبعه ويبايعه في كل الأحوال في المنشط والمكره ...
كل ما أتي به البنا هو برنامج نووي عالي التخصيب , نشّط به سلسلة التفاعلات الإنسانية الكامنة والتي هدها وأخمدها ـ إلي حين ـ شياطين البشر .... حسن البنا حرك الحلم الساكن في الضمير ... المستوطن في الفطرة ... الكامن بين جنبات الإنسان المسلم .... تنبض بها دقات قلبه ذكراً لكلمة التوحيد لا إله إلا الله ... وحب رسول الله نور يتدفق مع دورته الدموية .... ولكنها مشاعر غير قادرة علي الإعلان والتعبير ... عاجزة عن الخروج إلي الفعل والحركة ... فاقدة الثقة .... كان الإسلام مهزوما مكسورا ... خائفا يتخطفه الناس ذليلا.... وكل ما فعله البنا هو أنه أحيا الأمل ... وشحذ الهمم ... وبعث الشجاعة والإقدام .. والإسراع والسبق إلي التضحية والفداء ...
حسن البنا أخرج الإسلام من تحت الأنقاض...
كان يسعي إلي المساجد , والمقاهي , ومناسبات الزواج والعزاء ... ويجوب القرى والنجوع , ولبي الزيارات في البيوت .. حلو الحديث ... يخرج كلامه من القلب .. ولا حاجز أمامه حتي يحل في القلوب ... قدوة .. تواضع , انكسار للمؤمنين ... يعرف أتباعه بالاسم والرسم والوظيفة والأهل , لا ينسي وجها رآه ولو لمرة واحدة في لقاء عابر ... يحسب كل من يجالسه أنه الوحيد الأثير لديه, الذي لا يشاركه أحد في محبته ... عرف البنا أن البنيان المتين لا يتم إلا من اللبنات المتينة فاهتم بالفرد المسلم وركز علي قوة إعداده ... ومن الفرد كون الأسرة أخوة وتكامل وتكافل ... ومن الأسرة كانت الشعبة ... ثم المكتب الإداري .. وعلي رأس الهرم مكتب الإرشاد... تنظيم حديدي لجماعة تغرس جذورها في الأرض تتمدد داخلها لتزداد ثباتا ونماء ورسوخا .. فكان الانتشار كاسحا غطي بر مصر كله , أثار الفزع وملأ العيون قلقا خاصة وهم يرونه متقدما طوابير الجوالة في استعراضات تسد الميادين وهتافهم يشق الفضاء (الله أكبر ولله الحمد).. وفي كل المواقف كانت الجماعة تؤكد أقوالها بالفعل وتترجم شعاراتها إلي أعمال .... ولذلك قادت الجماعة أول مواجهة بين المجاهدين الإسلاميين وصهاينة بني إسرائيل ـ ورغم الخلل الهائل في موازين التسليح. إلا أن قوي البغي أدركت أن المارد قد استيقظ وأن انفرادها بالمستضعفين من أمة محمد قد ولي زمانه .... ولا سبيل لها عليهم إلا بالمكر والخداع ... لجأت لحشد أذنابها وتحريض أغواتها فكانت خطة المؤامرة دائما هي أن يضرب من تسموا بأسماء المسلمين كل من تمسك بعقيدة المسلمين ....
وتوالت الضربات
وتعاقبت المحن ...
وفعل بالإخوان ما فعل بأصحاب الأخدود .. و....
كم من المرات ظنوا أنهم قد كسروا الجماعة ....؟؟؟
وكم عدد المرات التي ظنوا أنهم قد أبادوها ... واحتفوا بالنصر العظيم ....؟؟؟
و يشاء السميع العليم أن يأتيهم من مكمنهم ويديل دولتهم بعد أكثر من ثمانين عاما ليبدأ النصر أولي خطواته في طريق طويل ينتهي إن شاء الله برفع الراية فوق مآذن الأقصي ..
و مع أول خطوة نحو تحقيق الحلم الكبير فإن حسن البنا سيظل بفكره ومنهجه وتعاليمه حيا في نفوسنا جميعا
لأن حسن البنا لم يمت.. الشهيد لا يموت
حسن البنا لا يزال مرابطا في قبره



February 11, 2012


من سرق الثورة ؟؟؟
م. مجمد أنور رياض
خمس ثورات قام بها شعب مصر خلال المائتي عاما الأخيرة  و هو ما ينفي عما أشيع عنه ظلما أنه شعب تفرقه عصا و تجمعه صفارة  و لكن ألا يشير تكرار ثوراته بمعدل ثورة كل أربعين سنة أن كل ثوراته تنتهي بدون تحقيق طموحاته و آماله ... الثورة تقوم هائجة هادرة و ما أن تحقق بعض أهدافها و تسير بعض خطواتها  حتي تبدأ في التعثر بفعل التفاف القوي المضادة الداخلية  لتوظيف دفعها في تعظيم مكاسبهم و أهدافهم  ... الغريب أن  أربعة من هذه الثورات تعرضت لمؤامرات  الاستعمار الغربي و الصهيونية   البربرية ...و باختصار .....
أولي هذه الثورات كانت عام4 180 عندما ثار المصريين بقيادة  شيخ الاشراف  المجاهد عمر مكرم ضد الوالي العثماني خورشيد باشا و جنوده الذين عاثوا في الأسواق سلبا و نهبا و اعتداء علي الأعراض مما أدي إلي قيام الساطان بعزله و تولية محمد علي باشا بدلا منه حسب اختيار الشعب و مبايعة العلماء ..  و بدلا من أن يقوم الوالي الجديد  بأن يرجع في كل شئون الحكم لمجلس من الأعيان و العلماء  كإعتراف بفضلهم و ردٍّ لجميل الشعب الذي حمله إلي شلتة الحكم ( راجع صورة محمد علي وهو جالس منجعص علي شلتته و متقلد سيفه .. )... إلا أنه لجأ إلي شغل الخباثة و لعبة كل مستبد في الوقيعة بين المشايخ و إستمالة المرضي عنهم بالهبات و العطايا  و إقصاء السيد عمر مكرم بنفيه إلي دمياط بعد تلفيق تهمة مالية له مزورة ... و بهذا انقض محمد علي علي الثورة لينفرد بالحكم  ...و رغم أنه قام بالعديد من الإنجازات في مجال التعليم و تنظيم الري و الزراعة و  الصناعة  و غيرها إلا أنها جميعا كانت تتم خدمة لطوحاته العسكرية و العجيب  أن  إصلاحات محمد علي تزامنت مع بداية نهضة اليابان التي اتخذت طريقا أدي بها إلي ما صارت عليه الآن  في حين استخدم  محمد علي جيوشه في تفكيك الدولة العثمانية  حاضنة الخلافة الإسلامية و هو ما صب في النهاية  لصالح القوي الأوربية المتربصة و التي ما لبثت أن انقلبت عليه بعد ان أدي مهمته  لتحطم كل مابناه في أربعين سنة من جيوش و أساطيل  و يموت محمد علي ليترك مصر غارقة في الديون و لورثته من أبنائه فاقدي الكفاءة و الطموح   في نظام  كرس الانفصال بين طبقة حاكمة متعالية  من الأتراك و اشركس و بين بقية الشعب و هو ما أدي إلي ثورة عرابي  ...
الثانية (هوجة ) عرابي
أما ثورة عرابي التي بدأت بالتمرد العسكري1881علي حكم الخديوي المستسلم لإملاءات قناصل الدول الأوروبية  و معتمدا علي الضباط الشراكسة كطبقة متعالية علي الضباط الوطنيين ( الفلاحين ) واضعا الشعب في مرتبة عبيد إحساناته  فكانت صيحة عرابي الأبية :  لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم.
 ثم كان أن سانده الشعب بأعيانه و علمائه  إلا أن الخديوي لم يتوقف عن محاولة التخلص منه  بإيعاز من الإنجليز  الذين ا نتهزوا حدوث مذبحة الإسكندرية في ( 11 يونيو 1882م) كذريعة لغزو مصر  وكان سببها قيام مكاري (عربجي) من مالطة  و من رعايا بريطانيا  بقتل أحد المصريين، فشب نزاع  سـرعان ما تطورت تلك المشاجرة البسيطة إلى أحداث عنف ضد الأوربيين المقيمين في الإسكندرية وقتل فيها حوالي الخمسين أوربيا وأصيب خلالها أيضا أحد ضباط الأسطول البريطاني. و كانت هي التلكيكة التي دفعت بالجيش الانجليزي لاحتلال مصر و بذلك أجهضت ثورة الشعب المسماه بهوجة  عرابي و استقرت البلاد في جيب الاستعمار البريطاني  بعد سلسلة من خيانات الخديوي المستكبر و الفلول المتواطئين مع الانجليز الغزاة
الثالثة  ثورة 19 كانت شعبية بامتياز ضد الاحتلال البريطاني زاد من حدتها ماقام به الجيش الانجليزي من تسخير مقدرات البلاد الاقتصادية  و تجنيد الشباب خدمة لمجهود الحرب العالمية الأولي  و كان المفروض أن تستمر الثورة حتي يتحقق النصر النهائي بالجلاء و ينتهي الاحتلال مهما كانت التضحيات  إلا أنها توقفت بعد خطوتين و انزلقت  إلي فخ المفاوضات التي أدت إلي الوقيعة بين الزعماء حتي أن البعض كان يهتف بقبول الاستعمار علي يد سعد ولا الجلاء علي يد عدلي و هكذا تحولت الثورة من صراع مع المحتل إلي تجاذبات حزبية  بين  الساسة  انحاز فيها القصردائما ضد الوفد صاحب الشعبية .و ظلت النخبة تتناوب كرسي الحكم وكأنها لعبة للكراسي الموسيقية يلعب فيها القصر دور المايسترو و المحتل يلعب بالجميع... يفتح من حين لآخر طريق التفاوض و يلقي بعض المكاسب المنقوصة  ثم لا يلبث أن يغلقه و الشعب المطحون من الفقر و المرض و و تغول الإقطاع   يطالب بالحرية و رحيل المحتل يتفاعل مع المشهد العبثي و المرجل يغلي بداخله استعدادا لثورة حبلي علي وشك الانفجار كان  المرشح لأن يقودها الإخوان الذين كانوا القوة الأبرز إلا أن انقلاب عسكر يوليو 1952 استبقها وقد قيل في دوافعها الكثير لا مجال هنا للخوض فيه !!!
الرابعة (ثورة يوليو )
و كان من الممكن أن تكون الأخيرة التي تدفع بالبلاد نحو حكم ديموقراطي مبني علي مؤسسات توظف قدرات هذا الشعب العملاق فيما يعود عليه بالرخاء  و يضعه في المكانة اللائقة به إلا أن عبد الناصر ما لبث  أن  انقلب علي الإخوان و ضباطهم الذين ساندوه كما قام بتصفية رفاقه  و التخلص منهم واحدا بعد الآخر ليؤسس نظاما دكتاتوريا بوليسيا .... ثم يندفع في مغامرات استنزفت قدرات البلد الاقتصادية  و انتهت باستدراجه إلي فخ 67 و ينتهي نظامه بموته تاركا بلدا محتلا تدنسه أقدام اليهود علي الضفة الشرقية لقناة السويس و وقوع القدس و كل فلسطين تحت السيطرة الصهيونية و ضياع الحلم بوحدة عربية من المحيط إلي الخليج  إلا أن فشله الأكبر كان في تجريف الحياة السياسية و تفريغ الدولة من المؤسسات الديموقراطية  و أطلق أجهزة الأمن تتحكم في مفاصل الدولة مما سمح بتوارث الحكم باستخلاف السادات الذي فتح الانفتاح ليجهز علي مابقي من اشتراكية عبد الناصر ويبدأ عصر المِهلّباتية و السمسرة  ومن بعده ( التافه ) حسني مبارك الذي اتضح أنه لم يكن ليصلح أن يكون عمدة في قرية ناهيك عن رئيس لبلد في حجم مصر... مأساة سوداء انتهت  بثورة 25 يناير المجيدة  ..
هل سرق الإخوان الثورة ...؟!!
هذه أربع نماذج من ثورات مصرية انتهت بالانحراف عن تحقيق نهضة حقيقية للشعب بل و لا أبالغ إذا قلت أنه قد تم تحويل مسارها إلي الخلف در.. و قد تنوعت أساليب اختطافها ... و السؤال الآن ...أي من هذه النماذج اتبعه الإخوان لاختطاف ثورة 25 يناير ...هل بطريقة محمد علي القائد التركي  الذي هبط علي مصر بكتيبته الألبانية  واستغل وجود صراع علي السلطة بين المماليك و الوالي خورشيد باشا  فدخل في اللعبة راكبا موجة الثورة الشعبية ...أم نموذج عرابي الفلاح الذي قاد تمردا عسكريا تم تصفيته بتضافر كل عناصر الخيانة التي عملت لمصلحة الاحتلال البريطاني ...أم بثورة شعبية انحرف بها( الباشاولت لابسو الطرابيش ) من قادتها بدلا من الإصرار علي استكمال كفاحها حتي النصر  إلي مسار أفرغها من مضمونها عن طريق المفاوضات و ألعاب السياسة  أم بانقلاب عسكري فشل في إقامة مؤسسات مدنية يقرر من خلالها الشعب حكم نفسه بنفسه و فتحت نهايته المأساوية الطريق لحكم  مبارك  التعيس ... 
ثورة 25 يناير ثورة فريدة لا مثيل لها فيما سبقها من ثورات  حدثت في بيئة ثقافية أنضجتها سنولت من الكفاح و تجارب من المواجهات المتراكمة ضد الاستبداد فضحت الفساد الذي طال ضرره كل نواحي الحياة  فخرج معها كل الشعب علي هدف واحد.... و هي بذلك ثورة المصريين ساهموا فيها  جميعا كلٌ علي حسب.... إلا أن الشباب   تميزفيها  بعطاء غير محدود  و في القلب منهم ــ و بأداء فريد ــ جماعة الإخوان نساء و رجالا ...شبابا و شيبة  بل و أطفالا  و هي الجماعة التي ظلت لعشرات السنين صامدة ضد قوي البغي  لم تُسقط راية النضال طوال  تاريخها ...و هي جماعة من الشعب عاشت وسط الشعب و انتشرت بين كل فئاته ...و مع أول اقتراع اختارها شعب مصر ....اختار هويته و تاريخه و انتماءه ....حضارة وثقافة وتراثا رافضا و مُلحقا هزيمة ثقيلة بكل المرجعيات الدخيلة التي حاولت تغيير وجه مصر الإسلامية بجراحات فاشلة ....
فمن الذي يسرق الثورة؟؟
الذين أقصاهم الناس في المشهد الانتخابي بعد أن ملأوا الفضائيات ضجيجا  و استخدموا كل ما أفرزته تكنولوجيا الأبالسة  من التدليس و التلبيس بقليل من الحق مع طوفان من الباطل بغرض انتاج الفتن  و اللعب في دماغ الشباب المتحمس بغرض الوقيعة بينه و بين الإسلاميين  وهو ما أجادوا ممارسته  في السابق خدمة مدفوعة الثمن لعهد مبارك ... هذه النتوءات البشرية المتعالية في نفخة كدابة  تحارب معركتها اليائسة و لن تهدأ و لن تستسلم  وهي لا تملك إلا برنامجا  واحدا هو ( وضع العصاية في العجلة و خالف ُتعرف  ).... و هي التحدي الحقيقي الذي يواجه مشروع النهضة الذي يقوده الإخوان ....
ليس الإخوان هم  من سرق الثورة .... بل  هم  الذين حاولوا و فشلوا ــ حتي الآن ــ في خطف مسارها  بمختلف الألاعيب ....استخدموا أسلوب الحرباية في التلون ....  كل يوم بشعار لا يهم إن خالف ما قالوه بالامس و إذا تحقق مطلب رفعوا سقف مطلب آخر  فالكلام ليس عليه جمرك و العيار الذي لايصيب يدوش... حاولوا السطو علي الثورة بإصرارو بلا يأس   و ادعوا أنها ملكية خاصة مسجلة  بإسمهم رغم ما شهد به  ضدهم  ثلاثون مليون شاهد في عقد موثق وضعوه في صندوق شفاف أمام العالم كله و لا عزاء للمزورين !!!! 
 فإذا قال الفاشلون أن الإخوان سرقوا الثورة فإننا نقول لهم.... وهل يسرق الإنسان نفسه ؟؟؟